السيد علي عاشور

72

موسوعة أهل البيت ( ع )

وحلاله حلال إلى قيام الساعة ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد بمعانيه وحقائقه وألفاظه ، ولئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ، وإذا جرّنا العقل إلى هنا فنقول : أولا لا بدّ للدين من حافظ في كل عصر . وثانيا على ما علم قبل أنّ المستقرّ في العقول ، إذا كان للنّاس إمام مرشد مطاع في كل عصر يخافون سطوته ينتصف للمظلوم من الظالم ويردع الظالم عن ظلمه ، ويحفظ الدين ويمنع الناس عن التهاوش والتحارب ، وما تتسارع إليه الطباع من المراء والنزاع ، ويحرّضهم على التناصف والتعادل والقواعد العقلية والوظائف الدينية ، ويدرأ المفاسد الموجبة لاختلال النظام في أمورهم عنهم ويحفظ المصالح ويلمّ شعث الاجتماع ويدعوهم إلى وحدة الكلمة ويقوم بحماية الحوزة ورعاية البيضة ، وانتظام أمور المعاش والمعاد ويكون لهم في كل واقعة دينية ودنيويّة حصن حصين وحافظ أمين ، ويتوعّدهم على المعاصي ويحملهم على الطاعات ويعدهم عليها ، ويصدع بالحق إذا تشاجر الناس في حكم من أحكام اللّه ، لكانوا إلى الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد ، حتى قيل : إنّ ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن ، وما يلتئم بالسنان لا ينتظم بالبرهان ، وبالجملة في وجوده استجلاب منافع لا تحصى واستدفاع مضار لا تخفى . وبعد ذلك فنقول : إنّ العقل يدلّ على أنّ اللّه تعالى مريد للطاعة وكاره للمعصية ، وأنّ اللّه ليس بظلام للعبيد ، وعلمنا مع وجود ذلك الرئيس الإمام المطاع أنه كان النّاس إلى فعل الطاعة أقرب وعن فعل المعصية أبعد ، ولنسمّ ما يقرّب العبد إلى الطاعة ويبعّده عن المعصية من غير إلجاء باللطف ، وهل هو واجب عقلا على اللّه أم لا ؟ إن قلنا لا يجب عليه تعالى مع أنّ إيقاع الطاعة وارتفاع المعصية يتوقفان على اللطف كما علمت ، ومع أنه تعالى يريد الأولى ويكره الثانية ، ويعلم أنّ المكلف لا يطيعه إلّا باللّطف ، فكان ناقضا لغرضه ونقض الغرض قبيح عقلا ، والعقلاء يذمّون من أراد من غيره فعلا ، وهو يعلم أنّ ذلك الغير لا يفعل مطلوبه إلا مع إعلامه أو إرساله إليه ، وأمثال ذلك ، ممّا يتوقف حصول المطلوب عليه ولا يعمل ما يعلم بتوقف المطلوب عليه ، فلا محيص إلا القول بوجوبه عليه تعالى عقلا . ولذلك إنّ العقل يحكم بأنّ البعثة لطف ، فواجبة على اللّه تعالى على أنّ كل ما يعلمه اللّه تعالى من خير وصلاح في نظام العالم وانتظام أمور بني آدم يجب منه تعالى صدوره ، لأن علمه بوجوه الخير والنظام سبب للإيجاب ، فيجب نصب الإمام من اللّه سبحانه في كلّ زمان . فلو قلنا أنّ النّبوة رئاسة إلهيّة في أمور الدّين والدّنيا ، وكذلك لمن يقوم مقامه نيابة عنه بعده ، رئاسة عامة إلهيّة فيهما ، لما قلنا شططا فكل ما دلّ على وجوب النّبوة ونصب النبي وتعيينه على اللّه فهو دال كذلك على القائم مقامه بعده ، إلّا في تلقي الوحي الإلهي ، ولنسمّ القائم مقام النبيّ بالإمام ،